أكدت الباحثة والإعلامية هدى عبد الغفار صالح، خبيرة الإعلام الرقمي، أن التطور المتسارع للتكنولوجيا الرقمية أحدث تحولات جوهرية في أنماط المشاركة السياسية داخل المجتمع، ولا سيما بين أفراد جيل “زد”، الذين وُلدوا خلال الفترة من 1997 وحتى 2011، ويُعرفون بأنهم جيل رقمي أصلي (Digital Native) ، موضحةً أن هذا الجيل لم يعش عالم ما قبل الإنترنت، بل نشأ فى بيئة تكنولوجية شكلت تكوينه الاجتماعي والثقافي، حتى أصبحت شبكة الإنترنت ومحركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي أسلوب حياة وليست مجرد أداة يستخدمها عند الحاجة.
وفى تصريحات صحفية ،.استعرضت الباحثة أبرز ملامح التحول في المشاركة السياسية لدى جيل “زد”، ومن بينها الانتقال من المشاركة السياسية المؤسسية التقليدية إلى المشاركة السياسية الرقمية، حيث تراجع الاعتماد على الأحزاب السياسية باعتبارها القنوات الأساسية للمشاركة، مقابل تصاعد دور المنصات الرقمية للتعبير عن المواقف السياسية.
وأشارت إلى ما طرحه الباحث بجامعة كاليفورنيا Russell Dalton في كتابه “Democratic Challenges, Democratic Choices”، والذي يُؤكد أن الانضمام إلى الأحزاب أو التنظيمات السياسية لم يعد المسار المُتبع، بل أصبحت المنصات الرقمية فضاءً بديلًا يُتيح التعبير عن المواقف السياسية، وحشد التأييد، وتنظيم المبادرات والحملات، مضيفةً أن الشباب أصبحوا يميلون بدرجة أكبر إلى أشكال العمل الجماعي ذات البنية الأفقية التي تتم عبر الشبكات الرقمية (إطلاق مبادرة – إطلاق حملة رقمية -تفعيل هاشتاج لحشد تأييد- جمع تبرعات)، بدلًا من الانخراط في التنظيمات الهرمية التقليدية.
كما أوضحت أن الأدبيات الحديثة كشفت عن تراجع ثقة جيل “زد” فى الأحزاب السياسية، وأرجعت هذا الأمر إلى تنامي ظاهرة الاغتراب السياسي، وهي الحالة النفسية التي يشعر فيها الأفراد بالانفصال عن النظام السياسي، والعجز عن التأثير فيه، وفقدان الشعور بأهميتهم داخله.
وأكدت عبد الغفار، فى الوقت ذاته، أن هذا التراجع لا يعني عزوف الشباب عن السياسة، وإنما يعكس تحولًا فى أدوات وأنماط المشاركة، إذ أصبح أكثر نشاطًا في الفضاء الرقمي، ويستخدم المنصات الرقمية فى التعبير عن آرائه والتفاعل مع القضايا العامة.
كما أضافت أن أولويات المشاركة السياسية لدى هذا الجيل شهدت تحولًا واضحًا، إذ أصبح يميل إلى الانخراط في القضايا التي ترتبط مباشرة بحياته اليومية، مثل جودة الحياة، وفرص العمل، والتعليم، والعدالة الاجتماعية، والتغير المناخي، أكثر من اهتمامه بالقضايا السياسية التقليدية أو الانقسامات الأيديولوجية، موضحةً أن الانتماء الحزبي لم يعد الدافع الرئيسي للمشاركة السياسية، بل أصبحت القضية ذاتها هي المحرك الأساسي لانخراط الشباب في الشأن العام.
وأشارت إلى أن جيل “زد” يُفضل الانخراط في حركات ومبادرات ذاتية التنظيم تعتمد على التنسيق الأفقي والعمل الشبكي، بدلًا من التنظيمات السياسية الهرمية التي ترتكز على القيادة المركزية وتدرج الهيكل التنظيمي للأحزاب، لافتةً إلى أن من أبرز سمات هذا الجيل توظيف أدوات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المشاركة السياسية وصنع القرار العام.
وأكدت أن هناك العديد من التجارب الدولية التى تعكس اتساع الفجوة بين الشباب والأحزاب السياسية، موضحةً أنه في بريطانيا، ينظر الشباب إلى الأحزاب السياسية على أنها غير مُعبرة عن تطلعاتهم وطموحاتهم، بينما في إسبانيا، يتسم مستوى الفاعلية السياسية لدى الشباب بالانخفاض، وتبني مواقف تتسم بالتشكك تجاه النخب السياسية.
مواكبة جيل «زد».. التحدي الحقيقي أمام الأحزاب السياسي
واختتمت الباحثة تصريحاتها بالتأكيد على أن العديد من التجارب الانتخابية على مستوى العالم، أثبتت أن المرشحين الذين نجحوا في مخاطبة جيل “زد” بلغته الرقمية، من خلال المحتوى القصير، والتفاعل المباشر، والاستعانة بالمؤثرين، كانوا الأكثر قدرة على تعبئة الناخبين الشباب.
وأضافت أن انتخابات عمدة مدينة نيويورك الأخيرة، والتي أسفرت عن فوز زهران ممداني، قدمت نموذجًا واضحًا لقدرة جيل “زد” على التأثير في النتائج الانتخابية، بعد أن نجحت حملته في توظيف المنصات الرقمية والمحتوى القصير والتفاعل المباشر مع الشباب، بما أسهم في رفع معدلات مشاركتهم في التصويت، مؤكدة أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الأحزاب السياسية اليوم لا يتمثل في ضعف اهتمام جيل “زد” بالشأن العام، وإنما في قصور مواكبة أدواتها التنظيمية والإعلامية للتحولات التى فرضها العصر الرقمي، بما يحد من قدرتها على التواصل الفعال مع الأجيال الجديدة واستيعاب أنماط مشاركتها السياسية.

